وفقًا لأربعة أشخاص مطلعين على القضية، وبعد ساعات من نهاية مباراة الولايات المتحدة يوم الأربعاء، اتصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شخصيًا برئيس الفيفا جياني إنفانتينو طالبًا مراجعة قرار إيقاف فولارين بالوغون عقب بطاقته الحمراء في كأس العالم.

ويوم الأحد، تراجع الفيفا رسميًا عن الإيقاف، معلنًا أن بالوغون سيكون مؤهلًا للمشاركة في مباراة الاثنين خارج الديار أمام بلجيكا.
ويُعد هذا التراجع نادرًا للغاية. وهو يمثل المرة الأولى منذ عام 1962 التي يسمح فيها الفيفا للاعب طُرد مباشرة ببطاقة حمراء صريحة في مباراة بكأس العالم بالعودة فورًا للمباراة التالية. وقد بذل إنفانتينو منذ فترة طويلة جهودًا كبيرة لكسب ودّ ترامب. ففي العام الماضي، وعلى خلفية محاولة ترامب العلنية، لكنها الفاشلة في نهاية المطاف، للفوز بجائزة نوبل للسلام، أنشأ الفيفا خصيصًا ومنحه «جائزة الفيفا للسلام».
وبحسب شخصين مطلعين على المكالمة، فإن مسؤوليًا بارزين في إدارة ترامب، بينهم وزير التجارة هوارد لوتنيك وأندرو جولياني، المدير التنفيذي لفرقة عمل كأس العالم في البيت الأبيض، استعانوا على وجه السرعة بمحامين لمساعدة اتحاد الولايات المتحدة لكرة القدم في السعي إلى الاستئناف، متجاهلين تمامًا لوائح الفيفا التي تحظر صراحةً مثل هذه الطعون.
وذكر المصدران المذكوران أن مسؤولي كرة القدم الأمريكية جادلوا بوجود خلل إجرائي في قرار البطاقة الحمراء، معتبرين أن الحكام لا ينبغي أن يعتمدوا على الإعادات البطيئة لتحديد العقوبات المحددة. لكن في الواقع، أصبح حكم الفيديو المساعد (VAR) منذ فترة طويلة إجراءً اعتياديًا في كرة القدم الحديثة، ومن المعتاد أن يتعرض اللاعبون للطرد بسبب تدخل حكم الفيديو المساعد.
وقد قدّم غودوين، مدير صندوق تحوط وأحد كبار المانحين لاتحاد كرة القدم الأمريكي، خيطًا لمسؤولي البيت الأبيض، زاعمًا أن حكم الساحة في المباراة، رافاييل كلاوس، كان مشتبهًا به في التلاعب بنتائج المباريات في البرازيل بسبب كثرة إشهاره بطاقات حمراء غير معتادة. ورغم أن لا السلطات القضائية البرازيلية ولا الفيفا كانتا قد وجدتا سابقًا أي دليل على مخالفات من جانب كلاوس، أكد مصدرون أن ترامب أثار هذه المزاعم خلال مكالمته مع إنفانتينو. وفي ما بعد، أحال غودوين طلبات التعليق على هذه القضية إلى اتحاد كرة القدم الأمريكي.

وتفيد التقارير بأن حكم الساحة، رافاييل كلاوس، لم يحتسب في البداية مخالفة من بالوغون، لكنه تراجع عن قراره الأول بعد إشارات من طاقم حكم الفيديو المساعد المسؤول عن متابعة لقطات الـVAR. وكان أعضاء طاقم التحكيم بالفيديو من فنزويلا وكولومبيا وفرنسا، على التوالي.
وكشفت مصادر أنه بعد استعادة بالوغون لأهليته للمشاركة يوم الأحد، تحدث إنفانتينو مع ترامب هاتفيًا مرة أخرى، حيث أشاد ترامب بإنفانتينو لاتخاذه «القرار الصحيح». بالإضافة إلى ذلك، اتصل ترامب أيضًا بمدرب الولايات المتحدة، ماوريسيو بوتشيتينو، ليتمنى له الحظ في المواجهة الحاسمة أمام بلجيكا يوم الاثنين. وقال بوتشيتينو في المؤتمر الصحفي السابق للمباراة يوم الأحد إن فريقه «ليسوا الأشرار».
ولم يرد الفيفا فورًا على طلبات التعليق، لكنه أكد رسميًا أهلية بالوغون للمشاركة بعد وقت قصير من كشف TA عن هذا التحول الكبير في وقت لاحق من بعد ظهر ذلك اليوم.
وأثار القرار غضبًا شديدًا في بلجيكا. وفي بيان صدر يوم الأحد، قالت الاتحاد البلجيكي لكرة القدم: «نشعر بالصدمة من إعلان الفيفا أن اللاعب الأمريكي الموقوف فولارين بالوغون مؤهل للمشاركة في مباراة الولايات المتحدة ضد بلجيكا». وأضاف الاتحاد البلجيكي أنه «يقيّم حاليًا جميع الخيارات القانونية وخيارات الرد الممكنة».
وأحال البيت الأبيض إلى منشور ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث احتفى فيه بإعلان الفيفا لكنه لم يشر إلى مكالمته مع إنفانتينو، كما لم يعلن علنًا أنه صاحب الفضل في ذلك.
وكتب ترامب على منصة Truth Social: «شكرًا للفيفا على التصرف بعدل وتصحيح هذا الظلم الكبير».
وكان بالوغون قد طُرد بالبطاقة الحمراء خلال مباراة الأربعاء الماضي أمام البوسنة والهرسك. وأظهرت الإعادات أنه أثناء التنافس على الكرة، انغرزت نعل قدم بالوغون مباشرة في كاحل خصمه، ما تسبب في التواء شديد بالمفصل. وبعد مراجعة من حكم الفيديو المساعد، أشهر حكم الساحة البطاقة الحمراء لإقصائه. ووفقًا للوائح الانضباط، فإن البطاقة الحمراء تعني تلقائيًا إيقافًا لمباراة واحدة، ما كان سيحرمه من خوض المواجهة المصيرية يوم الاثنين أمام بلجيكا.

لكن الفيفا منحه على نحو استثنائي «الضوء الأخضر» يوم الأحد.
وفي بيان رسمي، قال الفيفا: «وفقًا للمادة 27 من قانون الفيفا التأديبي، سيتم تعليق الإيقاف مع فترة اختبار مدتها عام واحد. وإذا ارتكب فولارين بالوغون مخالفة مماثلة من حيث الطبيعة والدرجة خلال فترة الاختبار، فسيُلغى التعليق، وسيُنفذ الجزاء الأصلي بشكل متتالٍ مع العقوبة الجديدة». غير أن البيان الرسمي لم يوضح لماذا جرى إعفاء بالوغون من «الإيقاف التلقائي» الذي يجب أن يقضيه جميع اللاعبين المطرودين الآخرين.
وبحسب مذكرة داخلية صاغها محامو «العقل المدبر» لدى ترامب لصالح اتحاد كرة القدم الأمريكي واطلعت عليها صحيفة نيويورك تايمز، فقد تناولت الوثيقة المؤلفة من ثلاث صفحات كيفية تقوية موقف الاستئناف الأمريكي عبر البحث عن ثغرات محتملة في لوائح الفيفا الخاصة بالبطاقات الحمراء. وذكر المذكرة بوضوح أن قواعد الفيفا التأديبية غامضة بما يكفي لترك مجال واسع للطعن القانوني. كما اقترحت المذكرة أن يرتقي الاستئناف إلى مستوى «المصالح السيادية الوطنية الأمريكية»، وهددت بإحالة القضية إلى محكمة التحكيم الرياضي (CAS)، أعلى هيئة تحكيمية في الرياضة العالمية.
وفي بيان احتجاجها، شدد الاتحاد البلجيكي على أن خطوة الفيفا تنتهك بشكل مباشر قواعده ولوائحه المعلنة، وتتعارض تمامًا مع كل من الإحاطات الرسمية في الاجتماعات التحضيرية قبل كأس العالم والتعميم الرسمي المرسل إلى الاتحادات الوطنية في مايو.
ولا شك أن هذا «العفو الميداني» عن بالوغون يعيد تسليط الضوء من جديد على العلاقة الشخصية الاستثنائية بين إنفانتينو وترامب.

وعلى النقيض تمامًا من «المعاملة الخاصة» في هذه القضية، تعرضت طريقة تعامل الفيفا مع المنتخب الإيراني خلال كأس العالم لانتقادات حادة من الخارج. ففي ظل التوترات الجيوسياسية المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران، سبق أن فُرضت على اللاعبين الإيرانيين قيود تمنعهم من الاستعداد داخل الولايات المتحدة (في المكسيك)، كما كانت إقامتهم داخل الولايات المتحدة محدودة بشكل صارم.
إن السماح لبالوغون بالعودة يمثل بلا شك دفعة هائلة للمنتخب الأمريكي. لكن خلف الكواليس، أعرب عدد من كبار مسؤولي الفيفا عن عدم تصديقهم لهذه السابقة الفاضحة للتدخل السياسي في الرياضة، وأبدوا قلقهم صراحة من أن هذه الخطوة قد تطلق سلسلة ردود فعل متتابعة—خشية أن تحذو جميع الأطراف حذو هذا الأسلوب مستقبلاً للضغط على الفيفا من أجل التخفيف الخاص إذا تم إيقاف نجم أي فريق آخر بسبب بطاقة حمراء.
وفي الواقع، ليست هذه المرة الأولى التي يجد فيها الفيفا نفسه وسط عاصفة علاقات عامة بسبب تذبذب القرارات والاشتباه في المجاملة للفرق الكبرى أو النجوم العالميين. فقبل انطلاق كأس العالم هذا العام، كان من المفترض أن يغيب النجم العالمي كريستيانو رونالدو عن أول مباراتين في دور المجموعات بسبب بطاقة حمراء تلقاها في بطولة سابقة، لكن الفيفا في النهاية منحه «الضوء الأخضر الكامل» للمشاركة في المباراة الافتتاحية.
ويعكس «بطاقة الخروج من السجن» الدرامية التي حصل عليها بالوغون قضية تاريخية شهيرة من كأس العالم 1962. ففي ذلك الوقت، طُرد نجم البرازيل الأسطوري غارينشا في الدور نصف النهائي، وبعدها تدخل مسؤولون حكوميون رفيعو المستوى، بينهم رئيس الوزراء البرازيلي آنذاك (والرئيس لاحقًا) تانكريدو نيفيس، بقوة للضغط بشكل مشترك على كبار مسؤولي الفيفا، ما أجبر الفيفا في نهاية المطاف على استثناءٍ سمح لغارينشا باللعب في نهائي كأس العالم تلك السنة.




