بعد حملتين متتاليتين في الدوري الإنجليزي الممتاز أنهتهما في مؤخرة جدول الترتيب، شرع توتنهام في إعادة هيكلة واسعة لتشكيلته خلال سوق الانتقالات الصيفية. ومع ذلك، فإن التعاقد مع ميخايلو مودريك على سبيل الإعارة من تشيلسي جاء بمثابة مفاجأة إلى حد ما.

وفي نافذة انتقالات صيفية اتسمت على نحو غير معتاد بعدم القدرة على التنبؤ، أتمّ السبيرز صفقتين غير مألوفتين: التعاقد مع لاعبين بشكل مباشر من غريمهما اللندني تشيلسي، في أول انتقالات مباشرة بين الناديين منذ 17 عامًا.
يوم الثلاثاء، أكمل مودريك وتوسين أدارابيويو رسميًا انتقالهما إلى توتنهام، رغم أن استقبال الجماهير لهما كان أكثر فتورًا بوضوح مقارنةً بالثماني صفقات الصيفية الأولى للنادي. ويعود جزء من السبب إلى طبيعة الصفقتين.
الدور الأساسي لأدارابيويو يتمثل في أن يكون بديلًا لقلب الدفاع الأيمن جان بول فان هيكه، ليحل عمليًا محل كيفن دانسو الراحل. ولم يكن دانسو ضمن قائمة المباراة في الفوز الكاسح 5-1 على تشارلتون في الدور الثاني من كأس الرابطة الإنجليزية، قبل أن يتقدم بطلب رحيل، ويُكمل لاحقًا انتقالًا على سبيل الإعارة إلى سندرلاند مع إلزامية الشراء.
أدارابيويو، البالغ من العمر 28 عامًا، يُصنَّف لاعبًا محليًّا من أبناء النادي، وهي ميزة مهمة تساعد توتنهام على الالتزام بمعايير تسجيل القائمة في الدوري الإنجليزي الممتاز. ويمتلك في رصيده ما يقرب من 150 مباراة في دوري الأضواء، رغم أنه عانى للحصول على دقائق لعب منتظمة كأساسي بعد انضمامه إلى تشيلسي في صفقة مجانية من فولهام قبل عامين.
أما مودريك، البالغ 25 عامًا، فينضم على سبيل الإعارة، لكن الاكتفاء بوصفها بأنها مجرد «إعارة قصيرة الأمد» لا يفسر بالكامل حالة الارتباك وخيبة الأمل بين جماهير توتنهام.
قضية المنشطات: قرابة عامين دون كرة قدم تنافسية

كان مودريك قد أوقف بشكل مؤقت في أوائل نوفمبر 2024 بسبب مخالفة مزعومة للوائح مكافحة المنشطات، قبل أن ترفع الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم (FA) الإيقاف وتمنحه الضوء الأخضر للعودة إلى كرة القدم التنافسية في أواخر يوليو من هذا العام. وفي 31 يوليو، أصدر تشيلسي بيانًا رسميًا جاء فيه: «معايير الاختبار العلمي المطبقة حاليًا شهدت ترقيات، ما يوفر موثوقية أكبر بكثير. ولو خضعت عينات مودريك للمعايير التكنولوجية السائدة، لما جاءت نتيجتها إيجابية، ما يعني أنه لم يكن ليُثبت وجود أي خرق للوائح مكافحة المنشطات».
في يناير 2023، تفوق تشيلسي على آرسنال وعدد من عمالقة أوروبا الآخرين للتعاقد مع مودريك من شاختار دونيتسك مقابل مبلغ أولي قدره 62 مليون جنيه إسترليني. وخلال معظم هذا العام، كان يتدرب بشكل فردي على العشب الصناعي في ملعب هايكروفت، معقل نادي أوجبريدج إف سي الإنجليزي من الدرجة السابعة.
ولا يمكن وصف ظروف التحضير هذه بأنها مثالية، بينما قبل إيقافه كان قد وُصف على نطاق واسع بأنه «صفقة فاشلة باهظة الثمن» في ستامفورد بريدج.
سرعته في الانطلاق المباشر بلا شك قادرة على زرع الرعب في أي ظهير منافس. وخلال فترته مع تشيلسي، سجل سرعة قصوى بلغت 36.63 كم/س، وكانت الأعلى المسجلة في الدوري الإنجليزي الممتاز خلال موسم 2022-2023. وقال ويسلي فوفانا ذات مرة إنه يعتقد أن مودريك أسرع حتى من كيليان مبابي. ومع ذلك، كان يفتقر كثيرًا إلى الأساسيات الفنية الثابتة، والذكاء الكروي، والوعي التكتيكي، ما جعله عاجزًا عن تحويل سرعته الفائقة إلى تهديد هجومي مستمر.
وقبل إيقافه، كان قد قدّم مستويات واعدة في دوري المؤتمر الأوروبي، بعدما سجل ثلاثة أهداف وصنع ثلاثة أخرى في أربع مباريات بدور المجموعات، ليساهم في قيادة تشيلسي إلى الأدوار الإقصائية، قبل أن يظفر النادي بالبطولة في النهاية.
لكنّه لم ينجح في تكرار هذا المستوى على مسرح الدوري الإنجليزي الممتاز، إذ لم يسجل سوى خمسة أهداف في 53 مباراة حتى الآن.
الأسباب الكامنة وراء العروض المخيبة
عند وصوله إلى تشيلسي، كان على مودريك أن يتعلم لغة جديدة في بلد غير مألوف، ويتأقلم مع دوري مرهق، ويحمل على كتفيه التوقعات الهائلة لنادٍ عالمي عملاق. كما أن التغطية الإعلامية الخانقة التي رافقت انتقاله، والمضخمة بسبب السعر الضخم، ضاعفت الضغط عشر مرات.
ولم يزد الأمر سوءًا سوى أن تشيلسي كان غارقًا في فترة تدريبية قصيرة ومضطربة تحت قيادة غراهام بوتر. وخلال أقل من عام ونصف، وجد مودريك نفسه أمام خمسة مدربين مختلفين، بينما كان يحاول استعادة إيقاعه بعد فترة التوقف الشتوية الطويلة في أوكرانيا.
وقبل تلك الصفقة الكبرى، كان مودريك قد خاض أقل من 50 مباراة على مستوى الكبار في الدوري الأوكراني الممتاز؛ وبكل المقاييس، كان موهبة خامة تحتاج إلى رعاية طويلة الأمد. لكن رسوم الانتقال الباهظة، إلى جانب البيئة المتقلبة في تشيلسي، لم توفرا له أرضًا مستقرة لينمو تدريجيًا.
صفقة محيرة: ما خطة توتنهام؟

ما يحيّر المراقبين هو سبب اختيار السبيرز تحمل هذا «المشروع التطويري» في وقت أصبح فيه اللاعب أكبر سنًا بنحو عامين، مع ما يصاحب ذلك حتمًا من الصدأ وتراجع في المستوى.
وبعد عودته إلى تشيلسي، شارك مودريك في مباريات تحضيرية، إذ دخل بديلاً في الدقيقة 82 خلال الهزيمة 0-1 أمام يوفنتوس قبل أن يشارك لمدة خمس دقائق في الفوز 3-0 على ميلان بعد ثلاثة أيام. ومع ذلك، لم يكن ضمن قائمة المباراة في أول ثلاث مباريات رسمية لتشيلسي هذا الموسم، ومن بينها مواجهة في كأس الرابطة الإنجليزية على أرضه أمام لوتون تاون من دوري الدرجة الأولى (ليغ وان).
وفي مقابلة مع القنوات الإعلامية الرسمية لتشيلسي في أغسطس، قال مودريك إنه يشعر بأنه في حالة بدنية ممتازة، وإنه متحمس لاستئناف تدريبات الفريق وكرة القدم التنافسية. وأوضح أنه التزم بروتين صارم: التدريب ستة أيام أسبوعيًا، والتركيز على الاستشفاء، والالتزام بعادات نوم منضبطة، وتنظيم التغذية بدقة، مع الاختلاف الحقيقي الوحيد المتمثل في خوض حصتين تدريبيتين يوميًا.
ومع ذلك، يبقى من الصعب تخيله وقد بلغ الحد البدني الأساسي المطلوب لكرة القدم الاحترافية مع الفريق الأول.
ومع انشغال روبرتو دي زيربي بالكامل بإعادة بناء توتنهام، فهل يمتلك فعلًا المساحة والموارد الكافية لخوض ما يبدو وكأنه مغامرة عاطفية لإحياء لاعب من جديد؟
الدافع الرئيس وراء هذه الصفقة هو المدرب نفسه، الذي قاد عدة تحركات هذا الصيف. وكان دي زيربي قد درّب مودريك سابقًا، وصرّح بشهرة أن الأوكراني يمتلك الإمكانات التي تؤهله للمنافسة على الكرة الذهبية، بل كان يصفه بمحبة على أنه «ابني». ويستخدم دي زيربي هذه العبارات الودودة بشكل معتاد مع لاعبيه السابقين، بمن فيهم جان بول فان هيكه.
ولا يزال أمام توتنهام الكثير ليقطعه إذا أراد استعادة مكانته كقوة حقيقية. وإلى حد ما، فإن التعاقد مع مودريك خطوة محيرة؛ لكن بالنظر إلى الصلة العميقة بين دي زيربي والجناح الأوكراني، فإنه يملك فرصة أفضل من أي شخص آخر لإعادة بناء ثقة اللاعب.
معضلة توتنهام في يوم الإغلاق

وقد تكون هذه الصفقة في نهاية المطاف نتيجة مباشرة لطموحات توتنهام التي تجاوزت سقفها الواقعي. فقد بحث السبيرز عن التعاقد مع كودي جاكبو وإليمان ندياي، لكن كلا المسارين انتهى بالفشل.
ورغم أن توتنهام بات يتصرف في سوق الانتقالات بشكل أقرب إلى نادٍ عملاق من الطراز الأول مقارنة بما كان عليه في حقبة دانيال ليفي، فإن الحقيقة الأساسية هي أنه يرهق نفسه في مطاردة أهداف تسعى إليها الأندية الكبرى الحقيقية في القارة.
وكان بإمكانه التحرك لخطف ماليك فوفانا من ليون، لكن توتنهام يمتلك أصلًا جناحين شابين غير مجربين في أوائل العشرينات: ويلسون أودوبيرت وماثيس تيل. وبعد استثماره عامين في كلا الموهبتين، ينبغي للنادي أن يعطي الأولوية لتطورهما بدلًا من ذلك.
ومع اقتراب موعد إغلاق السوق، اضطر توتنهام إلى القيام بمغامرة محسوبة. ولم يكن دي زيربي المعجب الوحيد بقدرات مودريك؛ إذ كان ليدز يونايتد قد أبدى اهتمامًا أيضًا قبل أن يتدخل توتنهام. وهذا يدل على أن أندية أخرى كانت ترى بدورها وجود إمكانات كامنة تنتظر أن تُستخرج.
وإذا انتهت هذه الإعارة بالفشل - كما يتوقع كثيرون - فإن توتنهام لن يخسر الكثير في النهاية. ففي الصيف المقبل، يمكنه دخول السوق من دون أعباء، وتحويل تركيزه نحو أهداف ذات أولوية أعلى.




